دخلت إيران مساء الأحد 8 مارس 2026 مرحلة سياسية جديدة ومشحونة، بعدما أعلنت وسائل إعلام رسمية ومصادر دولية متطابقة اختيار آية الله مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى جديدًا خلفًا لوالده الراحل علي خامنئي، الذي قُتل خلال الحرب الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

 

القرار لم يأت في ظرف طبيعي ولا عبر انتقال هادئ للسلطة، بل في لحظة حرب مفتوحة، وضربات على طهران، وتهديدات مباشرة لمؤسسات الحكم، ما جعل مسألة الخلافة أقرب إلى عملية إنقاذ للنظام من الفراغ أكثر منها انتقالًا سياسيًا عاديًا. وفي موازاة الإعلان الرسمي، انتشرت على مواقع التواصل مقاطع قيل إنها توثق لحظة إعلان الاسم الجديد واحتفالات في إيران، بينما أظهر حساب خامنئي بالفارسية على منصة إكس دعمه العلني للتعيين.

 

خلافة تحت النار.. مجلس الخبراء حسم الفراغ بسرعة

 

الإعلان عن مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى جاء، بحسب أسوشيتد برس ووسائل إعلام أخرى، بعد تأكيد الدولة الإيرانية نفسها أن مجلس خبراء القيادة حسم ملف الخلافة سريعًا لتفادي فراغ في قمة النظام، في وقت كانت فيه الحرب تدخل يومها التاسع وتتعرض فيه بنية الدولة لضغط عسكري وسياسي غير مسبوق. هذا المعطى وحده يفسر سرعة الحسم، لأن النظام الإيراني يعرف أن منصب المرشد ليس رمزيًا، بل هو مركز القرار الأعلى في الدولة والجيش والأجهزة العقائدية والبرنامج النووي.

 

لكن التفاصيل الدقيقة لآلية الاختيار ليست مستقرة بالكامل في كل الروايات المنشورة. بعض التقارير الدولية اكتفت بالقول إن مجلس الخبراء أقر التعيين وباركه، بينما تتداول روايات أخرى أرقامًا عن مشاركة 59 عضوًا من أصل 88 وحصول مجتبى على 50 صوتًا، في مقابل 8 أصوات لمرشح آخر وامتناع عضو واحد. وفي المقابل، تضمن منشور الحساب الفارسي المنسوب لخامنئي كلامًا عن “تصويت بالإجماع”. هذا التباين لا ينفي أصل التعيين، لكنه يعني أن تفاصيل التصويت نفسها ما زالت تحتاج إلى حذر صحفي عند الصياغة.

 

 

الباحث في مركز كارنيغي كريم سجادبور كان قد حذر قبل الحسم من أن انتقال السلطة في إيران، إذا انتهى إلى مجتبى، سيُنظر إليه داخليًا وخارجيًا باعتباره تحوّلًا نحو منطق عائلي يناقض الرواية الأصلية للجمهورية الإسلامية التي قامت على رفض الملكية الوراثية. هذا المعنى أصبح الآن أكثر حضورًا، لأن اختيار الابن خلفًا للأب في لحظة حرب لا يبدو فقط بحثًا عن الاستمرارية، بل أيضًا محاولة من الحلقة الصلبة المحيطة بالنظام للإبقاء على السلطة داخل الدائرة الأكثر أمانًا بالنسبة لها.

 

فيديوهات الاحتفال وحساب خامنئي.. دعاية تعبئة أكثر من كونها دليل حسم

 

الفيديو المتداول على منصة إكس والذي قيل إنه يوثق لحظة إعلان مجتبى خامنئي مرشدًا جديدًا، أظهر حشودًا تطلق صيحات احتفال، وهو ما ساعد في توسيع رواية “القبول الشعبي” بسرعة على المنصات. لكن المشكلة أن المقطع، مثل كثير من المواد المتداولة في زمن الحرب، لا يكفي وحده لإثبات زمانه ومكانه بشكل مستقل. لذلك فإن التعامل المهني معه يقتضي وصفه باعتباره “فيديو متداولًا” لا دليلًا نهائيًا على طبيعة التفاعل الشعبي الحقيقي داخل إيران.

 

 

في المقابل، كان التفاعل الأوضح سياسيًا هو منشور حساب خامنئي بالفارسية، الذي أعاد إنتاج رواية التعيين بلغة دينية وسياسية تؤكد أن مجلس الخبراء، “وفقًا للواجب الديني”، عيّن مجتبى خامنئي قائدًا ثالثًا للجمهورية الإسلامية. أهمية هذا المنشور لا تكمن فقط في مضمونه، بل في رمزيته أيضًا. فالحساب لم يكتف بالنص، بل استخدم صورة متطابقة وعلم إيران وخاتمًا أحمر يرمز في الثقافة الشيعية إلى الحماية والثبات، في رسالة تعبئة سريعة موجهة للقاعدة المؤيدة للنظام أكثر من كونها بيانًا إخباريًا باردًا.

 

الخبير في الشأن الإيراني علي واعظ من مجموعة الأزمات الدولية يرى أن مجتبى خامنئي لم يكن اسمًا طارئًا، بل مرشحًا متداولًا منذ سنوات داخل دوائر النظام، خصوصًا بسبب قربه من الحرس الثوري وشبكات النفوذ الدينية والأمنية. هذا يعني أن ما حدث ليس ارتجالًا فرضته الحرب وحدها، بل ترجمة لخيار كان جاهزًا في الخلفية، ثم جرى تسريعه وتثبيته مع مقتل علي خامنئي وتفاقم الحاجة إلى مركز قرار واحد يحكم البلاد.

 

اختيار مجتبى لا يحل الأزمة.. بل ينقلها إلى مرحلة أكثر حساسية

 

المشكلة الأساسية في تعيين مجتبى خامنئي لا تتعلق فقط بهويته، بل بما يمثله سياسيًا. فالرجل، بحسب أسوشيتد برس وذي غارديان، لم يشغل مناصب حكومية أو انتخابية علنية، لكنه راكم نفوذًا واسعًا خلف الستار، خاصة عبر صلته بالحرس الثوري والتيار المحافظ المتشدد. وهذا يجعل صعوده تعبيرًا عن تماسك الحلقة الأمنية-العقائدية الحاكمة أكثر من كونه تسوية بين أجنحة متعددة داخل النظام.

 

من هذه الزاوية، يرى الباحث فواز جرجس، أستاذ العلاقات الدولية في كلية لندن للاقتصاد، أن الأنظمة التي تتعرض لصدمة عسكرية كبرى تميل إلى الانغلاق لا الانفتاح، وإلى تسليم القيادة لمن تعتبره الأكثر ضمانًا لاستمرارها، لا لمن يملك أوسع قبول سياسي. وإذا أُسقط هذا المنطق على الحالة الإيرانية الراهنة، فإن صعود مجتبى قد يحقق للنظام تماسكًا سريعًا في المدى القصير، لكنه يفتح في الوقت نفسه بابًا أوسع للانتقاد الداخلي والخارجي بسبب الطابع الوراثي والضيق لعملية الخلافة.

 

كما أن اختيار مجتبى لا يلغي أصل المأزق الذي تواجهه إيران. فالحرب مستمرة، والبنية العسكرية والنفطية تتعرض لضربات، والولايات المتحدة وإسرائيل أعلنتا صراحة رفضهما استمرار النهج القديم. لذلك فإن القيادة الجديدة تبدأ ولايتها من نقطة شديدة الهشاشة: لا وقت لالتقاط الأنفاس، ولا فرصة لتأسيس شرعية هادئة، ولا مساحة لخطاب توحيدي واسع خارج القاعدة العقائدية الصلبة. بهذا المعنى، لم يأتِ التعيين ليُنهي الأزمة، بل ليمنح النظام رأسًا جديدًا داخل الأزمة نفسها.

 

الخلاصة أن تعيين مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى جديدًا لإيران يمثل واحدًا من أخطر التحولات في تاريخ الجمهورية الإسلامية منذ 1979. القرار حسم الفراغ سريعًا، لكنه فعل ذلك بصيغة تفتح جدلًا واسعًا حول الشرعية، والوراثة السياسية، وطبيعة النظام الذي كان يفاخر يومًا بأنه جاء ضد حكم العائلات والسلالات. وبين فيديوهات الاحتفال، ومنشورات التعبئة، والبيانات الدينية، تبقى الحقيقة الأوضح أن إيران لم تدخل مرحلة استقرار بعد، بل انتقلت فقط من صدمة مقتل علي خامنئي إلى صدمة السؤال التالي: هل يستطيع مجتبى تثبيت الحكم في دولة تحترق تحت الحرب والانقسام والضغط الخارجي؟